- طارق غانم
في بولونيا الإيطالية تُختصر ذكريات من ماضٍ أليم، ندوب لم تلملمها أجواء المدينة الهادئة والساحرة، بها عاش لاعب المنتخب الوطني المغربي آدم ماسينا أغلب سنوات عمره؛ وهو يجذف بين دروب الحياة مجابهً القساوة، قصة “ماسينا” أقرب إلى سيناريو فيلم درامي منه إلى واقع طفل يعشيه يقضا وبعيد عن أصوله وتراب أرضه وأجداده.
آدم ومفترق الطريق
أبصر آدم ماسينا النور بعاصمة الفوسفاط خريبكة، يوم 2 يناير 1994، وسط عائلة لم تفرح بقدومه إلى الدنيا طويلا، إذ توفيت الأم، وهو مايزال رضعيا ( 3 أشهر). وفاة أدخلت العائلة في نفق مظلم، حتى أضحى الأب مدمن على شرب الخمر، مازاد الوضع تعقيدا.
وضع رسم لآدم الصغير وأخوه زكرياء سوادا واستحالة عيش وسط “فوضى عائلية” لا بها استقرار ولا راحة بل عذاب وشقاء.
هجرة المعذبين ومنعطف الحياة
بفضل عائلة إيطالية كانت على علاقة بالعائلة الأصلية، سُهل على أفراد الأسرة الثلاث ( آدم، الأب وزكرياء) الرحيل من خريبكة في إتجاه بولونيا، لعلها طوق نجاة وخيط لاقتفاء أثر العيش الكريم وبالتالي الهروب الكبير من الواقع المرير.
كل هاته الأماني ستتحطم فجأة على جدار المسؤولية التي إنسل منها الأب كانسلال “الشعر من العجين”، تاركا إبنيه في فقر ومصير مجهول، ليجد آدم وشقيقه زكرياء نفسيهما يعيشان حالة التشرد في شوارع وأزقة بولونيا، قبل أن يُوضعا نزيلين بجمعية رعاية الأطفال التي قامت بوضعهما تحت كفالة عدة عائلات.
من تحت أنقاض الألم تنبعث حياة أفضل وبارقة أمل، شيء من ذلك جسده ظهور عائلة “رافائيل” في حياة آدم، إذ قررت تبنيه ومن ثم تغيير حياة الطفل في جوانب كثيرة بدءً بالإسم الذي حوفظ على أصله المغربي آدم ومنحه لقب العائلة الكفيلة ماسينا.
نشأ آدم رفقة والده بالكفالة، قبل أن يجد نفسه مرة أخرى أمام امتحان عسير، طلاق الوالدين وهو في سن الرابعة عشر من عمره، ليتحول بعدها إلى العيش مع والده وجدته “تيريزا”، وفقا لما تفرضه الثقافة الإيطالية.
استقرار عائلي جديد بالنسبة لآدم، جعل منه طفلا يعيش بين أحضان أسرة “طبيعية” ساندته بكل قوة ممكنة، وسعت إلى معالجة ندوب الماضي، دفعته جدته إلى ممارسة الرياضة من بوابة فريق المدينة “بولونيا” لفئة الصغار، وكانت تصطحبه إلى ملعب التداريب لمدة فاقت 10 سنوات.
زئير أسد مجروح
اكتسب آدم جنسية وثقافة بلد المنشأ إيطاليا، بينما رابطه ببلده الأصلي ماعاد له وجود إلى حين .. شارك اللاعب مع منتخب إيطاليا للشباب في 6 مباريات رسمية إلى حدود سنة 2017، وانتظر طويلا دعوة المنتخب الأول دون أن يتحقق له ذلك.
تغير الحال والمآل، وسلسلة الاتصالات والجلسات جمعت حسين خرجة اللاعب الدولي السابق بآدم ماسينا في محاولة لإقناعه بحمل قميص المنتخب المغربي.
شهر مارس 2021 تاريخ مميز بالنسبة للاعب، إذ فيه سمح الإتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” بتغيير جنسيته الرياضية من الإيطالية إلى المغربية، عقب إقتناع أخير من ابن خريبكة أنه مغربي الأصل و إيطالي المنشأ، وعليه ف”العودة إلى الأصل..أصل”.
شارك آدم مع المنتخب المغربي في أول مبارتين متتاليتين لحساب تصفيات كأس أمم إفريقيا 2022، أمام كل من منتخبي موريتانيا وبوروندي، وصولا إلى محطة “الكان” التي تدور رحاها بالكاميرون حاليا.
يواصل الرحلة التي قادته في دروب وعرة، تغلب عليها بعزيمة وقوة إرادة، فمن رحم المعاناة تولد الأبطال، هكذا قبل قديما، وآدم ماسينا بطل من هؤلاء، ينتظر وينتظر معه المغاربة زئير أسد مجروح.